يرى ستيفن إم. مولر، في مقال نشره موقع سايكولوجي توداي، أن الجدل الدائر حول تأثير الهواتف الذكية والشاشات على الدماغ انطلق من سؤال خاطئ. فبدلًا من التركيز على ما إذا كانت الأجهزة الرقمية تضعف القدرات العقلية، يقترح الكاتب النظر إلى تأثيرها في استعداد الإنسان لبذل الجهد الذهني. ويستند إلى دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature Human Behaviour، قدّمت مفهومًا جديدًا يُعرف بـ«إعادة معايرة الدماغ»، والذي يفسر سبب تراجع الرغبة في التركيز والتعلم العميق رغم بقاء القدرات المعرفية سليمة.

 

ويشير سايكولوجي توداي إلى أن الباحثين ويسنو ويرادهاني، ودوجلاس باري، ويان آرو، خلصوا إلى أن المشكلة لا تكمن في إضعاف الدماغ، بل في إعادة تشكيل الطريقة التي يقيّم بها تكلفة الجهد العقلي. ويؤكد المقال أن التطبيقات والمنصات الرقمية صُممت لتقليل أي عائق أمام الاستخدام عبر التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات المستمرة، وهو ما يجعل الانتقال من مهمة تتطلب تركيزًا إلى محتوى ترفيهي سريع أسهل من أي وقت مضى.

 

كيف تعيد الشاشات برمجة قراراتنا؟

 

يوضح المقال أن الدماغ يتعامل مع الجهد العقلي باعتباره موردًا ثمينًا، لذلك يميل دائمًا إلى اختيار المسار الأقل تكلفة. ومع تكرار التعرض لتجارب رقمية توفر مكافآت فورية بأقل قدر من الجهد، يعيد الدماغ حساباته الداخلية حول قيمة التركيز والعمل الذهني.

 

ويضرب الكاتب مثالًا بعلماء يدرسون سلوك الحيوانات أثناء البحث عن الغذاء، إذ تترك الحيوانات مكانها عندما تصبح فرصة الحصول على غذاء أفضل في مكان آخر أكثر جدوى. ويشبه الهاتف الذكي ببستان لا ينتهي، يمنح صاحبه مكافآت فورية بمجرد تمريرة إصبع، فيدفعه باستمرار إلى ترك المهمة الحالية والانتقال إلى أخرى أكثر إغراءً.

 

ويرى المقال أن الطالب لا يترك الفصل الدراسي الصعب لأنه فقد القدرة على الفهم، وإنما لأنه اعتاد أن يجد بديلًا أكثر متعة وأقل تكلفة في أي لحظة. وينطبق الأمر نفسه على الباحث أو القارئ الذي يغلق كتابًا مرجعيًا ليتصفح هاتفه، ليس بسبب ضعف قدراته، وإنما لأن البيئة الرقمية جعلت الانسحاب من المهمة أسهل كثيرًا.

 

لماذا تبدو قدرتنا على التركيز أقل؟

 

يحل مفهوم «إعادة معايرة الجهد» معضلة حيّرت الباحثين لسنوات. فقد أظهرت تجارب المختبر تأثيرات محدودة وغير ثابتة للاستخدام المكثف للشاشات في الأداء المعرفي، بينما يؤكد كثيرون أنهم فقدوا قدرتهم السابقة على التركيز.

 

ويفسر المقال هذا التناقض بأن الإنسان يستطيع أداء المهام بكفاءة داخل المختبر عندما توجد رقابة أو هدف واضح، لكن الحياة اليومية تختلف تمامًا. ففي المنزل أو العمل، ومع وجود الهاتف في متناول اليد، تتكرر مئات القرارات الصغيرة التي تدفع العقل إلى اختيار الطريق الأسهل، فيتراجع الإقبال على المهام التي تحتاج إلى صبر واستمرارية.

 

ويضرب الكاتب مثالًا بشخص يجمع القطع الأثرية؛ فبدلًا من دراسة قطعة خزفية وتحليلها لاكتساب معرفة طويلة الأمد، يلتقط صورة لها ويطلب الإجابة من أحد التطبيقات. ولا يعني ذلك أنه أصبح أقل قدرة على التعلم، بل أصبح يرى أن الاستثمار في التعلم لم يعد يستحق الجهد. ومع تكرار هذا السلوك، يفقد فرصة بناء خبرة حقيقية، رغم احتفاظه بالقدرة على اكتسابها.

 

كما يربط المقال هذا المنطق بالانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يؤدي الاعتماد المستمر على الأدوات التي تكتب وتلخص وتحلل نيابة عن المستخدم إلى انخفاض القيمة النفسية لبذل الجهد الشخصي، حتى وإن بقيت القدرة العقلية كما هي.

 

كيف نستعيد قدرتنا على التركيز؟

 

يشدد المقال على أن الوضع ليس ميؤوسًا منه، لأن الإنسان لا يزال قادرًا على التحكم في عاداته الرقمية. ويبدأ الحل بإدراك اللحظة التي يتحول فيها العمل الجاد إلى شعور بالملل، فتتجه اليد تلقائيًا نحو الهاتف. ففي هذه اللحظة تحديدًا يتحدد ما إذا كان الإنسان سيواصل بناء مهاراته أم سيستسلم للمشتتات.

 

ويقترح الكاتب إعادة إدخال قدر من «الانخراط» إلى الحياة الرقمية، مثل إيقاف الإشعارات، وإغلاق علامات التبويب غير الضرورية، وتخصيص فترات زمنية خالية من المقاطعات لإنجاز المهام المعقدة، حتى يمنح الدماغ نفسه فرصة للاستمتاع بالمكافآت البطيئة الناتجة عن التعلم الحقيقي.

 

ويختتم المقال بالتأكيد على أن الشاشات لم تسرق ذكاء الإنسان، لكنها غيّرت الطريقة التي يقيم بها تكلفة استخدام هذا الذكاء. ولذلك فإن استعادة التركيز لا تتطلب امتلاك عقل أفضل، بل تتطلب إعادة التفاوض مع العادات الرقمية، حتى يصبح بذل الجهد العقلي خيارًا طبيعيًا من جديد.

 

www.psychologytoday.com/us/blog/the-mind-of-a-collector/202607/your-brain-isnt-weaker-effort-just-got-more-expensive